يُعتبر مارتن سيليغمان واحدًا من أهم المفكرين والعلماء الذين غيّروا نظرتنا إلى النفس الإنسانية. وُلد في الولايات المتحدة عام 1942، وكرّس حياته للبحث في أعماق النفس البشرية، ليس من زاوية المرض أو الاضطراب كما فعل علم النفس التقليدي، بل من زاوية القوة والازدهار والقدرة على النمو. اشتهر بأنه الأب المؤسس لما يُعرف اليوم بـ علم النفس الإيجابي، وهو الاتجاه الذي يدعو إلى التركيز على الجوانب المشرقة في الإنسان، مثل الأمل، والرضا، والإبداع، والشجاعة، بدل التركيز فقط على المعاناة والاضطرابات.
بدأ سيليغمان مسيرته بدراسة ما يُعرف بـ العجز المتعلَّم (Learned Helplessness)، وهي النظرية التي اكتشف من خلالها كيف يمكن للتجارب السلبية المتكررة أن تجعل الإنسان يشعر بأنه عاجز عن التغيير، حتى عندما تكون الفرصة متاحة. وقد جاءت هذه الفكرة من تجارب علمية لاحظ فيها أن الكائنات التي تتعرض لصدمات متكررة دون مخرج، تتوقف لاحقًا عن محاولة الهرب حتى عندما يُتاح لها ذلك. هذه النظرية شكّلت حجر الأساس لفهم الاكتئاب واليأس الإنساني، ولكنها كانت أيضًا نقطة التحول في مسيرة سيليغمان الفكرية، لأنها جعلته يتساءل: إذا كان بإمكاننا تعلّم العجز، فهل يمكننا أيضًا أن نتعلم التفاؤل؟
ومن هذا السؤال انبثق أحد أشهر كتبه بعنوان "تعلم التفاؤل" (Learned Optimism)، حيث عرض فيه كيف يمكن للإنسان أن يغيّر طريقة تفكيره من السلبية إلى الإيجابية، وأن يبني عقله على أساس الأمل بدلاً من الخوف. يرى سيليغمان أن السعادة ليست حالة مؤقتة من المتعة، بل هي مهارة يمكن اكتسابها بالتدريب والممارسة. وهذا ما دفعه إلى تأسيس ما أسماه بـ علم النفس الإيجابي في أواخر التسعينيات، خلال فترة رئاسته لجمعية علم النفس الأمريكية (APA). وقد دعا في ذلك الوقت إلى ثورة فكرية داخل علم النفس، للانتقال من معالجة الاضطراب إلى بناء الحياة المزدهرة.
يركّز سيليغمان في أبحاثه على خمسة عناصر يعتبرها الأساس في السعادة والرفاه النفسي، وهي ما يُعرف بنموذج PERMA: المتعة (Pleasure)، والاندماج (Engagement)، والعلاقات الإيجابية (Relationships)، والمعنى (Meaning)، والإنجاز (Accomplishment). يرى أن الإنسان الذي يحقق توازنًا بين هذه العناصر الخمسة يعيش حياة مليئة بالرضا والازدهار، حتى وإن واجه الصعوبات. فالسعادة في نظره ليست غياب الألم، بل القدرة على بناء معنى وهدف يجعل كل تجربة جزءًا من نموّنا الداخلي.
في كتبه ومحاضراته، يدمج سيليغمان بين العلم والإنسانية بأسلوب يجمع العمق والدفء. فهو لا يقدّم نصائح سطحية عن "التفكير الإيجابي"، بل يربط بين الأبحاث العلمية الصارمة وتجارب الإنسان اليومية. لقد أسهمت أبحاثه في تحويل مسار علم النفس من التركيز على الاضطرابات والمشكلات إلى الاهتمام بالقدرات والفضائل الإنسانية. وقد ألهمت أفكاره برامج تعليمية في المدارس ومناهج في الجامعات تهدف إلى تنمية مهارات السعادة والمرونة العاطفية لدى الأفراد منذ الصغر.
من أكثر ما يميز فكر سيليغمان أنه لا يرى السعادة هدفًا نهائيًا نصل إليه، بل رحلة مستمرة من الوعي والنمو. فهو يؤمن أن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى، وأن الشعور بالإنجاز والخدمة والعطاء أكثر دوامًا من المتعة الآنية. لذلك دعا إلى بناء مجتمعات تركّز على تطوير نقاط القوة، بدلاً من علاج الضعف فقط. كما أكد أن القيادة الإيجابية، والتعليم الإيجابي، وحتى العمل الإيجابي، هي طرق لتجسيد هذه الفلسفة في الواقع العملي.
لقد أحدثت أعماله تحولًا جذريًا في فهم النفس الإنسانية، حتى أصبح علم النفس الإيجابي اليوم أحد أكثر فروع علم النفس تأثيرًا وانتشارًا في العالم. فهو يقدم رؤية متفائلة عن الإنسان: أن في داخل كل واحد منا القدرة على تجاوز الألم، وصناعة الفرح، وإيجاد المعنى. ومهما كانت التجارب قاسية، يمكننا أن نختار كيف نروي قصتنا، وأن نصنع من الضعف قوة، ومن المحنة فرصة للنمو.
بهذا المعنى، لا يُعتبر مارتن سيليغمان مجرد عالم نفس، بل معلّمًا للإنسانية، نقلنا من مرحلة فهم المرض إلى مرحلة بناء العافية. لقد أعاد تعريف السعادة بأنها ليست رفاهية، بل حاجة إنسانية أساسية، وأن اكتسابها لا يتطلب ظروفًا مثالية، بل نظرة جديدة للحياة ولأنفسنا. إنه يدعونا لأن نعيش بوعي وامتنان، وأن ندرك أن الازدهار ليس حكرًا على أحد، بل متاح لكل من يؤمن بقدرته على التغيير.
كتاب السعادة الحقيقية عمل فكري وروحي عميق يبحث في معنى السعادة من منظور فلسفي وإنساني، ويكشف كيف يمكن للإنسان أن يحقق تو...